أبي حيان التوحيدي

268

المقابسات

لم توشح بشيء من الخير ولا فيها انقياد له ، فما أحرى من هذا حده وشانه ، ومقره ومكانه ، أن ينجذب إلى ما يعز به ولا يذل ، ويوجد به ولا يفقد ، وينال به ولا يخفق ؟ وما أشقى من هذا حديثه مع التمكين والاستطاعة ، والقدرة والقوة ، والتذكرة والتبصرة ، إن تردّى من ربوته ، وذهب في هوته ، وبقي خاسئا حسيرا ، ومقيدا أسيرا ، بلا فكاك ولا إطلاق ، ولا رحمة ولا إشفاق ؟ ! قال أيضا : قال افلاطن : من ملك منطقه سمى حليما ، ومن ملك غضبه سمى شجاعا ، ومن ملك شهوته سمى عفيفا . قال : وقيل لأفلاطن : أي الأمرين أعلى درجة ، أن يقول ما يعلم أو يعلم ما يقول ؟ فقال : أن يقول ما يعلم ، لأن مرتبة العلم فوق مرتبة القول . قال : وهذا كما قال ؟ فالقول تابع للعلم ، وهذا هو الحق ليكون العلم أولا وأصلا ، وإذا علم ما يقول . فكأن العلم مقصور على قوله من غير أن يكون قائما بنفسه ، ثابت في معدنه ، جار من ينبوعه وهذا آخر ما فهمناه عنه في هذا الفصل ، ولعل المطالبة بزيادة شرح ممكنة ، فان المغزى فيه لطيف ، والبيان عنه عزيز وقال بعض الأوائل : الانسان الذي لا يعمل بعلمه كالشجرة المورقة لا ثمر لها . وقال آخر : البخيل الغني كالجبان القوى . وقال آخر : من الصورة والهيولى يكون الحد ، ومن الصورة والعلة يكون الايضاح . ثم قال : وهذا صحيح ، لأنه لا وجود لشئ إلا بصورته وهيولاه ، فأما الهيولى بذاتها فغير موجودة ، وكذلك الصورة ، فكل ما يقوم قائما يتقوم بهما ثم يصير ذلك المتقوم صورة أخرى محفوظة الظاهر والباطن إلى الأولين اللذين هما الهيولى والصورة . ثم على حسب ما عليه الصورة في هذا المتقوم يكون شرف جوهره لأنه يستفيد البساطة من الصورة ، والتركيب من الهيولى ، وذلك على حسب ما عليه هيولاء فيه يكون ضعة جوهره وسيلان عنصره . فكل حيوان غير